المقاربة العقلية في تقرير العقائد عند الأشاعرة: ردٌّ على منتقديها/ الاستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

كيفه أون لاين / إن توظيف الأدلة العقلية في تقرير العقائد عند المدرسة الأشعرية، كما يظهر في عقيدة ابن عاشر، ليس خروجًا عن منهج الوحي، ولا تقديمًا للعقل على النقل على نحوٍ مطلق، بل هو اختيارٌ منهجيٌّ يقوم على فهم طبيعة الخطاب الشرعي، والتمييز بين ما يُطلب فيه النظر العقلي لإثبات الأصل، وما يُكتفى فيه بالنقل لإثبات التفصيل.

وهذه المقاربة تمثل في جوهرها ردًّا علميًا على جملة من الاعتراضات الموجهة لهذا المسلك، ويمكن بيان ذلك في المحاور الآتية:

أولًا: ردّ دعوى تقديم العقل على النقل

يُتهم المنهج الأشعري أحيانًا بأنه قدّم العقل على النص، والتحقيق أن هذا غير دقيق.

ذلك أن العقل عندهم:

ليس حاكمًا على الوحي في ذاته

بل هو أداة لإثبات صدق الوحي ابتداءً، بإثبات وجود الصانع وصدق الرسول

فالنقل لا يُسلَّم به إلا بعد قيام الدليل العقلي على صحة مصدره، ثم يأتي دوره في التفصيل والإخبار.

وعليه فالعلاقة ليست تقديمًا، بل:

ترتيبٌ منهجي: عقلٌ في إثبات الأصل، ونقلٌ في بيان التفصيل

ثانيًا: طبيعة التعامل مع النصوص النقلية في باب العقيدة

من النقاط الدقيقة في هذا المنهج أن التعامل مع النصوص النقلية في باب الصفات والغيبيات لا يُبنى على ظاهر واحد ثابت دائمًا، بل يدخل فيه نوع من النظر الاجتهادي في الدلالة.

فالتعامل مع النصوص هنا يدور بين مسالك ثلاثة:

التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة عقلية أو شرعية

الإجراء على الظاهر مع التنزيه: إثبات اللفظ مع نفي لوازم التشبيه

التفويض: إمرار النص مع تفويض المعنى المراد والكيفية إلى الله تعالى

وهذه المسالك، من حيث البناء المنهجي، ليست بعيدة عن طبيعة الاجتهاد في الفقه؛ لأنها:

تتعامل مع الدلالة لا مع أصل الثبوت

وتراعي القرائن والسياق

وتوازن بين النصوص ومقتضيات التنزيه العقلي

ومن هنا يظهر أن:

الاشتغال بدلالة النصوص في باب العقيدة أقرب في آليته إلى الاجتهاد الفقهي منه إلى بناءٍ عقليٍ تجريدي مستقل

إلا أن الفرق أن هذا الاجتهاد هنا في توجيه الدلالة العقدية لا في استنباط حكم عملي.

ثالثًا: ردّ دعوى تعطيل النصوص

يُقال إن هذا المنهج أدى إلى تأويل الصفات أو تفويضها بما يخرجها عن ظاهرها.

والجواب أن هذه المسالك الثلاثة ليست إلغاءً للنص، وإنما هي:

حفظٌ لأصل التنزيه

ودفعٌ لتوهم التشبيه

وجمعٌ بين دلالة النص ومقتضى العقل الصريح

وهم يقررون قاعدة كلية:

“ما ثبت بالنقل الصحيح لا يعارضه عقل صريح”

فلا تعارض حقيقي بين النقل والعقل، وإنما هو اختلاف في جهة الفهم والدلالة لا في أصل الحجية.

رابعًا: ردّ دعوى إدخال علم الكلام على العقيدة

يُعترض بأن الاستدلال العقلي في العقائد بدعة منهجية.

والتحقيق أن القرآن نفسه أسّس لمسالك عقلية في الإلزام، من ذلك:

﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾

﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت﴾

﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾

﴿أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾

وهذه النصوص تُظهر أن الاستدلال العقدي قائم على:

تفكيك الفروض

وإلزام الخصم بنتائج عقلية

وإثارة النظر في الكون والإنسان

خامسًا: مثال قرآني على البرهان العقلي

قوله تعالى:

﴿أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾

يُبنى على نفي ثلاث احتمالات عقلية:

الوجود بلا خالق: محال

خلق النفس لنفسها: محال

فيتعين وجود خالق مغاير

وهذا من أقوى صور الاستدلال العقلي في تقرير أصل التوحيد.

سادسًا: وظيفة هذا المنهج في مخاطبة المخالف

المخالف في الملة لا يُلزم ابتداءً بمجرد النص، لأنه لا يُسلّم بمصدره، ولذلك كان من مقتضيات الخطاب:

الاستدلال بالكون

والنظر في النظام

والتاريخ والعاقبة

وبذلك يصبح العقل:

أداة إلزام حجاجي تمهّد لتلقي الوحي وتثبيت الإيمان به

خلاصة

إن المقاربة العقلية في تقرير العقائد عند الأشاعرة ليست معارضة للوحي، بل هي:

امتداد لأسلوب القرآن في الاستدلال

وتنظيم للعلاقة بين العقل والنقل

وإدخالٌ لدلالة النصوص في مسار اجتهادي شبيه بآليات الفقه في التعامل مع الدلالة

وعليه فهي ردٌّ منهجي على من زعم أن الاقتصار على ظاهر النقل يكفي في باب الإلزام العقدي، أو أن استعمال العقل فيه خروج عن منهج أهل السنة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى