المقاربة الترابية المجتمعية.. رؤية جديدة يقودها السكان لإحداث تحول في التنمية الريفية بموريتانيا

كيفه أون لاين / في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه التنمية الريفية بفعل التغيرات المناخية والهشاشة الاقتصادية وضعف استدامة المشاريع
يطرح الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD) مقاربة تنموية جديدة تقوم على مبدأ أن يقود السكان المحليون تنميتهم بأنفسهم
هذه الرؤية الجديدة التي ترتكز على المقاربة الترابية المجتمعية المبنية على التشخيص الترابي التشاركي (DT)
لا تمثل مجرد آلية لتنفيذ المشاريع وإنما تعد تحولاً في فلسفة التنمية حيث يصبح المواطن شريكاً في اتخاذ القرار وتتحول المجتمعات المحلية من مجرد مستفيدة إلى فاعل رئيسي في التخطيط والتنفيذ والمتابعة
وتنفذ هذه المقاربة بمشاركة واسعة تضم الوزارات المعنية والمجموعات الترابية والبلديات والسلطات المحلية والشركاء الفنيين والماليين والمؤسسات الوطنية إضافة إلى السكان المحليين والبرامج الأخرى التابعة للصندوق الدولي للتنمية الزراعية
بما يضمن تكاملاً بين مختلف المتدخلين في العمل التنموي
استجابة لتحديات التنمية الريفية
جاء إطلاق هذه المقاربة استجابة لجملة من التحديات التي تعيشها المناطق الريفية في موريتانيا والعديد من الدول النامية حيث أدى ضعف التشخيص الميداني ومحدودية مشاركة السكان في اتخاذ القرار إلى تنفيذ مشاريع لم تحقق في كثير من الأحيان الأثر المطلوب أو الاستدامة المنشودة
ومن هنا تبنى الصندوق الدولي للتنمية الزراعية هذه المقاربة المبتكرة التي تعتمد على التشخيص الترابي التشاركي وترسيخ التخطيط الاستثماري المحلي عبر مشروعي PROGRES وPASKII بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو الاحتياجات الحقيقية لكل منطقة
خصوصية موريتانيا تفرض حلولاً جديدة
تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في موريتانيا بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية وتنوعها البيئي وتأثرها المستمر بالتغيرات المناخية والجفاف فضلاً عن أن ما يقارب 60 بالمائة من السكان يعيشون في الوسط الريفي الذي يعتمد أساساً على الزراعة والثروة الحيوانية
وقد ساهمت هذه الظروف في تعميق الهشاشة وزيادة الهجرة نحو المدن وهو ما يجعل من المقاربة الترابية أداة مناسبة لبناء تنمية أكثر استدامة وانسجاماً مع خصوصيات كل منطقة
المستفيد يقود التنمية
وتتميز هذه المقاربة عن التدخلات التقليدية بأنها تنطلق من الواقع المحلي وتمنح السكان حق تحديد أولوياتهم واختيار المشاريع التي تلبي احتياجاتهم مع إشراكهم في مختلف مراحل التنفيذ الأمر الذي يعزز الشعور بملكية المشاريع ويزيد من فرص نجاحها واستمرارها بعد انتهاء التمويل
كما تمنح اللجان القروية دوراً محورياً في قيادة التنميةانطلاقاً من قناعة مفادها أن سكان المنطقة هم الأكثر معرفة بمواردهم وإمكاناتهم وتحدياتهم وهو ما يجسد المثل العربي: “أهل مكة أدرى بشعابها.”
مبادئ واضحة ومنهجية دقيقة
وتقوم المقاربة على مجموعة من المبادئ الأساسية تشمل المشاركة الفعلية للمستفيدين والتكامل الترابي والشمولية والإنصاف والتدرج والتعلم المستمر والاستدامة المؤسسية
أما على المستوى التنفيذي فتعتمد منهجية التشخيص الترابي على خمس مراحل رئيسية هي:
إعداد المنوغرافيا الترابية المعمقة
الرسم الجغرافي المكاني للموارد والاستخدامات
تنظيم التعبئة المجتمعية والتوعية
تنشيط مجموعات التركيز والورش متعددة القطاعات
عرض النتائج وترتيب الأولويات بصورة جماعية
تنمية تشمل الجميع
وتستهدف المقاربة مختلف الفئات الاجتماعية وفي مقدمتها النساء الريفيات والشباب ومربو الماشية الرحل والمزارعون والحرفيون والتجار والفئات الهشة بما يضمن عدالة أكبر في توزيع فرص التنمية
كما تمنح أولوية لتطوير الأنظمة الزراعية المتكيفة مع التغيرات المناخية وتوسيع شبكات الري وتحسين أساليب التسويق الزراعي إلى جانب دعم الصحة الحيوانية وتنظيم الترحال الرعوي وتطوير أسواق الماشية وتحسين الوصول إلى المراعي ومصادر المياه
وفي مجال البيئة تركز المقاربة على إدارة مياه الأمطاروالتشجير وحماية الموارد الطبيعية والحد من النزاعات المرتبطة باستخدامها
المكاسب المنتظرة
ويتوقع أن تحقق هذه المقاربة العديد من النتائج الإيجابية من أبرزها:
* تحسين دقة تحديد الاحتياجات المحلية
* توجيه الاستثمارات نحو الأولويات الحقيقية
* اختيار مشاريع أقل تكلفة وأكثر مردودية
* تقليل مخاطر فشل المشاريع الناتجة عن ضعف التشخيص
* تعزيز مساهمة المجتمعات المحلية في تنفيذ المشاريع وصيانتها.
* الحد من التخلي عن المنشآت بعد انتهاء التمويل.
* تقوية دور النساء والشباب في صنع القرار المحلي.
* تعزيز الحوكمة المحلية والشفافية.
* تحسين المتابعة والرقابة واستخدام الموارد.
عوامل نجاح وتحديات قائمة
وتستند فرص نجاح المقاربة إلى الخبرة المتراكمة لمشروعي PROGRES وPASKII وإلى إشراك السلطات المحلية والبلديات واللجان القروية وترسيخ مفهوم القيادة المجتمعية الذي يضمن مشاركة مختلف الفئات
ورغم ذلك فإن المقاربة تواجه تحديات تتعلق بالمسافات الشاسعة والعزلة والجفاف ونظام الترحال وارتفاع كلفة التشخيص الترابي إضافة إلى بعض التحديات الاجتماعية المرتبطة بمشاركة المرأة والتفاوت في أداء السلطات المحلية
خطوة نحو تنمية أكثر استدامة
وتعكس هذه المقاربة إرادة حقيقية للانتقال من منطق تنفيذ المشاريع إلى بناء تنمية مستدامة يقودها المواطنون أنفسهم بما يحقق استغلالاً أفضل للموارد الطبيعية ويرفع الإنتاج الزراعي والحيواني ويعزز الحوكمة المحلية
وإذا ما توفرت التعبئة المجتمعية والدعم المؤسسي والتنسيق بين مختلف الشركاء فإن هذه المقاربة مرشحة لأن تصبح نموذجاً ناجحاً في التنمية الريفية وأن تسهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية وتحويل التنمية إلى مشروع جماعي ينطلق من احتياجات المجتمع ويستجيب لتطلعاته
ان المقاربة الجديدة لأهميتها وشموليتها والنتائج الكبيرة المتوخاة منها
تفرض على الجميع التعبئة والمشاركة الفاعلة في انجاحها من اجل تنمية ريفية حقيقية ومستديمة طال انتظارها
وقد شهدت مدينة كيفه انطلاق ورشة وطنية حول المقاربة الإقليمية لبرنامج موريتانيا مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعيةوشارك فيها مختلف الفاعلون من عدة ولايات يتدخل فيها المشروع وبحضور الامين العام لوزارة الزراعة والسيادة الغذائية وبعثة من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنسق المشروع الدكتور أحمد ولد أعمر وعدد كبير من الفاعلين والمنتخبين وممثلي القرى
حيث أشرف الخبراء على تقديم العروض التي تتحدث عن ركائز المقاربة واهدافها والافاق المستقبلية فتبادل المشاركون الآراء والتوصيات مثمنين هذة المقاربة التي تعطي الأولوية تمكن السكان المحليين من المشاركة الفعالة واستغلال الموارد الطبيعية التي ظلت
هدرا دون تسيير

