مهرجان أفام لخذيرات.. من الاحتفال بالتراث إلى صناعة التنمية وتعزيز الصمود وتثمين المكتسبات

كيفه أون لاين / لم تكن أيام مهرجان أفام لخذيرات للتراث والسياحة مجرد موعد احتفالي تتعالى فيه أصوات الفنون وتُستعرض فيه ملامح الموروث المحلي، بل كانت محاولة جادة لإعادة تعريف المهرجان الريفي باعتباره أداة للتنمية، ونافذة للسياحة الداخلية، ومساحة للتضامن الاجتماعي والتعريف بقدرات ومقدرات المناطق الداخلية.
ففي قرية أفام لخذيرات، تحولت المبادرة المحلية إلى حدث استقطب الأنظار والحضور من داخل ولاية لعصابة وخارجها، مقدماً صورة مختلفة عن المهرجانات حين تخرج من دائرة الاحتفال إلى فضاء التنمية وخدمة الإنسان والأرض.
التراث بوابة إلى التنمية
جاء تنظيم المهرجان بمبادرة من رجل الأعمال السيد محمد محمود ولد برار ولد سيدي عبد الله، ليحمل جملة من الأهداف تتجاوز إحياء التراث؛ من بينها التعريف بالمنطقة ومؤهلاتها، وتشجيع السياحة الداخلية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وإبراز المنتجات والمواهب المحلية، وفتح المجال أمام الشباب والنساء وأصحاب المبادرات الصغيرة.
فالمهرجان أراد أن يقول إن التراث ليس مجرد ذاكرة محفوظة في الكتب أو الطقوس، وإنما يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي وثقافي وسياحي، وأن القرية الموريتانية تمتلك من المقومات ما يؤهلها لتكون جزءاً من معادلة التنمية.
وفي هذا السياق، يصبح جذب الزوار، والتعريف بالمنتجات المحلية، وتشجيع المبادرات الفردية والجماعية، ودعم الأسر في الوسط الريفي، حلقات مترابطة في مشروع واحد عنوانه تحريك عجلة التنمية من داخل المجتمع نفسه.
مبادرة محلية بروح وطنية
وتزامن المهرجان مع مرور سبع سنوات من حكم فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في سياق وطني يركز، بحسب القائمين على المبادرة، على توجيه مزيد من الاهتمام إلى الداخل، وتقريب الخدمات من المواطنين، ودعم الفئات الهشة، وتحسين ظروف سكان الأرياف وترسيخ قيم الإنصاف والتكافل.
ومن هذا المنطلق، بدا مهرجان أفام لخذيرات منسجماً مع رؤية أوسع تقوم على تثمين مقدرات المناطق الداخلية، وتشجيع المبادرات المحلية، وربط الثقافة بالسياحة والتنمية.
فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المنشآت والمشاريع، وإنما كذلك بقدرتها على صناعة الأمل، وتحريك الاقتصاد، وتشجيع الإنتاج، وتمكين الشباب والنساء، وتعزيز التضامن وترسيخ الإنسان في أرضه.
إشادة رسمية تعزز قيمة التجربة
وقد حظي المهرجان بإشادة من سلطات ولاية لعصابة تقديراً لما ميزه من حسن التنظيم وثراء المحتوى وتعدد أبعاده الثقافية والتنموية والاجتماعية.
ولعل الأهم أن نجاح التجربة لم يبق محصوراً في موقع المهرجان، إذ استشهدت السلطات في مناسبات أخرى بهذه التجربة وقدمتها باعتبارها نموذجاً يمكن الاستفادة منه والبناء عليه.
وهو ما يمنح المبادرة بعداً إضافياً ويؤكد أن العمل المحلي حين يكون منظماً وذا أهداف واضحة يمكن أن يتحول إلى تجربة تستحق التعميم.
الوالي.. إدارة تواكب المبادرة
وفي هذا الإطار برز حضور والي ولاية لعصابة في مواكبة الحدث من خلال خطاب افتتاحي جمع بين الرسالة الإدارية والرؤية التنموية والبعد الثقافي
فقد وضع الوالي المهرجان في سياقه الصحيح، باعتباره أكثر من مناسبة للترفيه بل فضاءً لتثمين التراث وتشجيع المبادرة وتحريك السياحة وخدمة السكان.
وكان خطابه مناسبة لتأكيد أن الإدارة المحلية ليست فقط جهازاً لتنفيذ الإجراءات وإنما يمكن أن تكون شريكاً في التنمية، وسنداً للمبادرات الجادة ووسيطاً بين طموحات المجتمع والجهود العمومية.
حضور وطني.. ورسالة تتجاوز حدود لعصابة
ومن أبرز ما ميز مهرجان أفام لخذيرات الحضور المتنوع الذي جمع مشاركين وضيوفاً من مناطق مختلفة من البلاد، من نواكشوط ونواذيبو وتكانت والحوض الغربي، إلى جانب حضور جماهيري واسع من ولاية لعصابة.
ذلك الحضور منح المهرجان طابعاً وطنياً وأكد أن الثقافة والتراث قادران على جمع الموريتانيين وتجاوز الحدود الجغرافية.
كما أظهر أن المناطق الداخلية ليست مجرد متلقية للتنمية، وإنما تمتلك بدورها ما تقدمه: تراثاً وثقافة وطبيعة ومنتجات وطاقات بشرية وأفكاراً قابلة للتحول إلى مشاريع
نموذج قابل للاستمرار
لذلك فإن القيمة الحقيقية لمهرجان أفام لخذيرات لا تكمن فقط في نجاح دورته وإنما في الفكرة التي حملها.
فالمهرجان قدم نموذجاً يقول إن المبادرة المحلية يمكن أن تصبح قوة تنموية حين تلتقي مع التنظيم الجيد والتفاعل المجتمعي والمواكبة الإدارية.
وإذا أُحسن البناء على هذه التجربة فقد تتحول المهرجانات الريفية من مناسبات موسمية إلى منصات دائمة للتعريف بالمناطق، وتشجيع السياحة الداخلية وتسويق المنتجات المحلية ودعم المبادرات وخلق فرص جديدة للشباب والنساء.
أفام لخذيرات.. حكاية تتجاوز المهرجان
في النهاية، لم تكن أفام لخذيرات تحتفي بالماضي فقط، بل حاولت أن تجعل من الماضي جسراً إلى المستقبل.
فحين يصبح التراث وسيلة لجذب الزائر والسياحة مدخلاً لتحريك الاقتصاد، والمبادرة المحلية رافعة للتنمية والمهرجان فضاءً للتضامن فإننا لا نكون أمام احتفال عابر وإنما أمام رؤية مختلفة للريف الموريتاني
ريفٌ يعتز بهويته ويستثمر في تراثه وينفتح على السياحة ويشجع الإنتاج ويمنح شبابه ونساءه مساحة للمبادرة ويتمسك بأرضه.
وهنا تكمن رسالة أفام لخذيرات
التنمية لا تبدأ دائماً من المدن الكبرى أحياناً تبدأ من قرية صغيرة، بفكرة صادقة ومبادرة جادة وإرادة قادرة على تحويل التراث إلى أمل والمكان إلى فرصة والمهرجان إلى مشروع للمستقبل

.

